محمد جواد مغنية

260

في ظلال نهج البلاغة

القضاء والاختيار : هناك مواضيع ثلاثة متشابهة متشابكة ، الأول : القضاء والقدر . الثاني : الجبر والاختيار . والثالث : الهدى والضلال . وتكلمنا عن كل منها مفصلا في كتاب « فلسفة التوحيد والولاية » . ونشير هنا بإيجاز إلى معنى القضاء والقدر والاختيار بحكم الموضوع الذي نحن بصدده . لكل من القضاء والقدر معان . وأوضح معاني القضاء انه البت والإمضاء الذي لا مرد له . وأوضح معاني القدر انه التقدير . قال الإمام الكاظم نجل الإمام الصادق : القدر هو تقدير الشيء من طوله وعرضه ، والقضاء هو إمضاء لا مرد له . وقال الإمام الرضا حفيد الإمام الصادق : القدر هندسة ، والقضاء إبرام . أما مسألة الجبر والتفويض فالذي عليه الشيعة الإمامية هو « لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين » . ومعنى الجبر ان الانسان لا أثر له إطلاقا في أفعاله ، وانما هي بالنسبة اليه تماما كجريان الدم في عروقه ، وخروج النفس من أنفه . ومعنى التفويض ان اللَّه أمر العبد ونهاه ، وأعطاه القدرة على الطاعة والمعصية ، ثم فوض اليه أمر هذه القدرة يفعل بها ما يشاء ، وقطع سبحانه كل علاقة بينه وبين هذه القدرة بحيث أصبح اللَّه بالنسبة إلى قدرة العبد بعيدا عنها تماما كالبائع الذي باع سلعته للمشتري يفعل بها ما يريد بلا مزاحم ومعارض . ومعنى « أمر بين الجبر والتفويض » ان اللَّه بعد أن أمر العبد ونهاه منحه القدرة ولم يحرمه إياها كما زعم الجبريون ، ولكنه تعالى لم يعرض كلية عن هذه القدرة ويقطع العلاقة بينه وبينها كما ادعى المفوضية ، بل بقيت قدرة العبد في قبضة خالقها وتحت سلطته ينزعها من العبد متى شاء ، والعبد لا يستطيع أن يرفض هذه القدرة ، ويقول للَّه : لا أريدها ، وأيضا لا يستطيع ابقاءها إذا أراد سبحانه أن ينزعها منه ، وبهذا الاعتبار يكون العبد مسيّرا لا مخيّرا ، وأيضا بالقدرة التي منحها اللَّه له يستطيع أن يفعل ويترك ، ويكون من هذه الجهة مخيرا لا مسيرا ، ومعنى هذا ان العبد مسير من جهة ، ومخير من جهة ، هذا هو معنى بين بين ، وأمر بين أمرين . وللتوضيح نقدم هذا المثال : أب قوي مسيطر على ولده أعطاه مالا ، وقال